المدمر سوفت نت

اهلاً بكم في منتديات المدمر نت

نورت المنتدى بــــــــــــــــــــوجودك

المنتدي صمم لخدمتك فساهم في الارتقاء به



يرجى تسجيل العضويه
ادارة المنتديات والتصميمات

منتديات المدمر نت المتنوعه والشامله

المواضيع الأخيرة

محركات البحث









    قصة الشاب غياث الجزء 3

    شاطر
    avatar
    كاتم الاسرار
    المدير العام للمنتديات
    المدير العام للمنتديات

    المساهمات : 114
    تاريخ التسجيل : 06/03/2010

    قصة الشاب غياث الجزء 3

    مُساهمة من طرف كاتم الاسرار في الأحد مارس 07, 2010 11:36 pm

    الفصل الثاني عشر

    كانت الأيام التي تبعت تلك الليلةالمحمومة التي اعتبرها غياث نقطة البداية في فجر حياته الجديدة00 حافلة بالأحداثفبعد خمسة أيام قضاها غياث بن عبد المغيث في كثير من الصمت والتفكير الهادئ فيمستقبل حياته الجديدة،توصل إلى أنه لاحق له فيما ينعم به من المال وأن هذه الأملاكالواسعة والعبيد و الزروع وحتى جاريته الأثيرة على قلبه عطر،كلها ملك ورثة ذاهبالمقدسي0 وأن عليه أن يسلم لهم كل شيء00بما في ذلك النصف المتبقي من الذهب فيالخرج0لقد أمضى الأيام الأخيرة متأملاً في نفسه، وفي الشيء الذي يتدفق على قلبهفيكسبه الطمأنينة التي لم يعهدها في أيام فقره أو أيام ثروته!

    لقد عزم أن يصارحمعبد بن ذاهب في كل شيء،ثم يمضي وحيداً خالياً00كما جاء وحيداً00وكره بغداد وجوارهاوآثر أن يذهب للقاء والديه،و ينطرح تحت أقدامهما ويسألهما الصفح،ثم يذهب إلى الثغورللجهاد في سبيل الله، فلم يعد شيء يهُّمه غير لقاء الله والرحيل عن الدنيا التياكتشف مؤخراً أنها نواة الشقاء في حياته الماضية00واعتزم أن يصلح ما بينه وبينربه00واستولى عليه هم الآخرة00 وبذل دموعه بسخاء أسفاً على أيامه الخالية0وماكاد يصل إلى هذا الحد من التخطيط لمستقبله حتى أحدقت به الأخطار من جديد!!

    فقدمضى في إحدى الصباحات الباكرة إلى البئر اليابسة التي قذف فيها بثيابه القديمة،وتدلى بحبل ونزل إلى القاع اليابس وبحث في التراب حتى وجد صرة ثيابه فاستخرجهاوغسلها على شاطئ النهر00كأنه شاعرٌ أنه يغسل ماضيه0وجلس ينتظرها لتجف،ثم جمعهاوأراد الذهاب،لولا أن استوقفه وجه مألوف لديه فهتف في دهشة:

    -مروان؟!!

    و آسفهأن خنجره ليست معه00وقذف الصرة من يده وباعد بين رجليه استعداداً للعراك00 لكنمروان خاطبه بصوت يفيض بالحزن لا بالشر:

    -نعم مروان00صاحبك في تلكالحجرة!

    -إذاً فقد نجوت!؟

    -نعم00 لقد وصلت إلى بغداد وعالج الطبيب جرحي00 وقدصدقت يا غياث فالجرح قد اخترق البطن ولم يمس الأحشاء00 هل تذكر عندما قلت ليذلك؟!

    وتأمله غياث فوجده كما تفارقا تلك الليلة إلا أنه أصبح مشموط اللحيةبالبياض0 وقال مروان:

    -لقد قضينا معاً ساعات عصيبة00وكتبت لنا النجاة من بينالآخرين أليس كذلك؟فرد غياث وقد زاولته الريبة لكنه لم يكن راغباً في مواصلةاللقاء:

    -لقد مضت تلك الأيام بخيرها وشرها0

    -لولا جهودك يا غياث لما كنت أنامن الأحياء!

    -لست في حاجة إلى إطرائك يامروان00بقدر ما أود معرفة سببمجيئك؟!

    -جئت للقائك00 وهذا كل ما في الأمر!

    لم يكن بيني وبينك علائقومودة00وقد مضيت أنا إلى سبيلي ومضيت أنت إلى سبيلك0

    -قد لا تصدقني 00ولكن لاتسيء بي الظن فتقف وقفتك هذه00 وتحسب أني جئت لقتالك من أجل ذلك الذهبالمأفون!!

    وسكت قليلاً ثم قال بنبرة صادقة امتصت كثيراً من توتر غياثوتجهَّمه0

    -يا غياث 00أنت فتى شجاع وقوي، والذي سيقاتلك سيكون الخاسر فيالنهاية!

    -قلت أني لست في حاجة إلى إطرائك00؟

    -لست في حاجة إلى إطرائي00ولكنكفي حاجة إلى نصيحتي!

    -وبماذا تريد أن تنصحني؟!

    -أريد أن أحذرك من حنظلة00 هذاما جئت من أجله0

    -حنظلة!!وأين هو حنظلة؟

    -حنظلة في بغداد00ولم يتبقَ من أعدائكأحدٌ سواه0

    -وأنت؟!

    -أنا لست من أعدائك ياغياث00أنا أحس بالولاء لك منذ كنافي بيت الطين، ولولا حنظلة ما رأيت صفحة وجهي!

    -وكيف عرفني حنظلة وهو لم يرني ولميعرف اسمي؟أحنى مروان رأسه إلى الأرض وقال متلعثماً:

    -لقد اضطررت إلى إخبارهباسمك ومكان بستانك00تخبره عني وعن مكاني،ثم تدعي أنك صاحبي وأنكتودني؟!!

    -أقسم لك بالله أني ما كنت لأفعل لولا أن هاجمني ليلاً في بيتيبالبصرة00ووضع خنجره على عنق أحد أولادي وهددني بذبحه مثل الشاة إذا لم أخبره عنمكان الذهب والأموال00ولم أصدق أنه ينوي قتل الصبي حتى رأيته يجرح عنقه بحد السكينجرحاً صغيراً ليؤكد لي أنه عازم على تنفيذ تهديده!

    -ومتى كان ذلك؟

    -قبلشهر0

    -وكيف عرفت أنت مكاني واسمي؟

    -اسمك عرفته عندما سمعتك تنطق به وأنتتقتتل مع سعيد00 ومكانك عرفته عندما رأيتك في بغداد موافقةً بعد أسابيع من ليلتناتلك،وتتبعتك إلى البستان وسألت أحد مواليك فخبرني باسمك كاملاً،ولكنني كنت قد عزمتعلى أن أدعك وشأنك إكراماً لك على ما بذلت في سبيلي0

    -ولكني لم أصنع شيئاً يستحقكل هذه التضحية منك؟!

    -لا يهمني أن تشعر بمعروفك أو لا تشعر00 يكفيني أنني أعتقدهذا00ربما أكون لصاً وأحمقاً غبياً يا غياث ولكني لست وقحاً ولا جاحداً!

    وفي خليطمن المصانعة والتصديق قال غياث:

    -أنت رجل طيب يامروان00سأعمل بنصيحتك00لكن قل ليلماذا لم يبحث عني حنظلة طوال تلك الأيام؟

    -لأنه لايعرفك00ولأنه منذ ذلك الحينإلى أن هاجمني في البصرة وهو في السجن0

    -لماذا سجن؟

    -لقد لحقني عندما هربتبالفرس إلى بغداد،وشاء الله ألا يدركني إلا في بغداد، وحاول قتلي فصرخت واجتمعالناس عليه ليجدوني مشقوق البطن وهو ممسك بسيفه00فعلموا أنه يريد قتلي00 وزعمت أنههو الذي طعنني فحملنا الناس إلى الوالي00وشهدوا عليه بما رأوا وحكم عليه أن يحبسعاماً كاملاً،وكرهه الخليفة وقد كان من مجالسيه فزاد في مدته بضعة أشهر0

    -ولماذالم يقتلك في البصرة وقد ظفر بك؟

    -لو قتلنيلعلم الناس بذلك،ولأخذوه لأنهم يعلمونما بيني وبينه من العداوة 00 ويعلمون أنه قد حاول قتلي في بغداد0وفي مخادعة قالغياث:

    -وأين كان أخوك سعيد؟

    -سعيد هو سبب شقائي00لقد بكيت عليه كثيراً وبكيتمنه00إنه اليوم شرير ومسكين بائس!!وقد افتقدته منذ ذلك اليوم الذي هربت فيهبالفرس00وظننت أنه قتل في الحجرة00فذهبت بعدما شفيت لأبحث عنه حياً أو رميماً00فماوجدت هناك سوى بقايا الحريق،وبحثت في الأنقاض فلم أجد شيئاً00فرجعت وسألت عنه فيبغداد فلم يعرفه أحد،إلا شخص قال أنه رآه في السوق مرً ولم يره بعد ذلك!!

    ومسحعبرة فرت من عينه ثم قال:

    -وذهبت إلى البصرة أتلمس أخباره،فما ظفرت بأكثر مماظفرت به في بغداد00 ويئست وانكفأت على نفسي حتى جاءني من أخبرني أنهم وجدوه علىشاطئ دجلة ميتاً متعفناً بالقرب من بيت الطين00وقد أخرجوا من جوفه ماءًكثيراً00فعلمت أنه مات غريقاً فهو لا يعرف السباحة00 وقد نجا من الغرق مراراً لكنتلك كانت الأخيرة0

    -ولماذا دخل النهر وهو لا يعرف كيف يسبح؟

    -ربما ذهبلاستخراج الذهب الذي قذفت به في قاع النهر!

    ثم مسح دموعه ثانية، وأسهب في الكلامعن سير شقيقه وقد وجد في ذلك عزاء له:

    -لقد مات أبي وأنا في العشرين من عمري،أماهو فكان في سن الخامسة00 ولم يكن له عائل إلا أنا00وطفقت أعمل لأعيشه وأعيش أهليووالدتي ثم أولادي فيما بعد00 وعندما كبر حاولت مراراً أن أشركه معي فيأعمالي00لكنه بدأ يصاحب اللصوص والمنحرفين،وحاولت ثنيه عما فيه00وبدلاً من أن أردهإلى جادة الصواب استجرني هو،وبدأت أشاركه طريقته وسرقاته!

    ابتسم غياث بعد تجهمهالطويل وقال:

    -لكنك لا تبدو فاتكاً ماهراً مثله!؟

    -أنا رجل أحمق وساذج00والسطو والاحتيال ليس من طبيعتي لكنها الغواية00 وقد أردت إثبات جدارتي أماماللصوص، فاستوليت على الجمل الذي به الأموال لأستأثر به لنفسي ولأخي، فجنيت عليهوعلى نفسي وصارت الأموال من نصيبك0

    -أنت حاولت و..

    -لا تقل أنك ستعطيني بعضالأموال00فلم تعد لي حاجة في كثير أو قليل من ذلك00وقد تركت هذه الأعمال التيلا نتاج لها سوى الدماء والمصائب0 وأنا لم أجيء طامعاً في غنائمك يا غياث إنما جئتأحذرك من حنظلة فإنه سيظهر لك قريباً0

    -سأعمل بنصيحتك يا مروان 0وأحنى مروانرأسه إلى الأرض في كدر، ثم مد يده إلى غياث قائلاً:

    -سأذهب فلم تعد لك حاجبي0ومد غياث يده وودعه وتابعه حتى غاب عن نظره، ثم حمل صرة ثيابه ورجع0
    مشىإلى بستان آل المقدسي متكاسل الخطى، يحرث الأرض بنظراته واتجه إلى القصر00وعندالباب صادفه سريع وأخبره أن رجلاً سأل عنه في غيبته فقال غياث متبرماً:
    -إذاجاءك ثانية فبعه ما يشاء من الثمار فلا حاجة لأن أقابله0
    -إنه شخص غريب لم يأتِلشراء شيء!
    فسأل غياث وقد قرن مابين حاجبيه:
    -هل قال إن اسمه حنظلة؟
    -لميذكر اسمه يامولاي0
    -إذا جاء ثانية00هو أو سواه00فادعني بدون أن يعلم0فقالسريع بصوت خافت:
    -هل هو عدو؟!
    -إنه من جماعة السجين الذي هرب0وبدون أسئلةأخرى هزَّ الشيخ رأسه مؤذناً بالطاعة ثم انصرف0وجمع غياث بعض حاجياته ثم تذكرأنه لم يكن يملك منذ طرده والده سوى ثيابه فرد الحاجيات إلى مكانها00 وتمكنت منهالنزاهة والورع فخلع ثوبه الفاخر ولبس أحد ثيابه القديمة!
    وأرسل أحد مواليهللبحث عن معبد بن ذاهب المقدسي ثم جلس يفكر فيما هو مقدم عليه00 وسمع حفيف ثوببالقرب منه فألتفت ليرى عطر مبهوجةً بلقائه00وقد آسفه منظرها وأحس بالرثاء لهالعلمه بمكانه من قلبها00 وقالت له معاتبة:
    -لقد تغيرت يا مولاي؟!
    فقالبهدوء:
    -وماذا تريدين؟
    -لقد أصبحت محزوناً تذهب وحدك ولا تخبر أحداًبوجهتك،وتغيب طويلاً ثم تعود مريضاً 00 أو تغلق على نفسك باب حجرتك!!ولم تكن هكذامن قبل!!
    فقال تمهيداً لإنزال الخبر الثقيل عليها:
    -وهل يسوؤك هذايا عطر؟
    -نعم00أنت لا تدري كم يسوؤني ذلك!
    فقال بنبر جادة:
    -وما يدريك لعليبذلك أهيئك لفراق سيحل بيننا!؟فقالت باسمة وقد حسبته يمازحها:
    -لن نفترق حتىلو ذهب أحدنا إلى أقصى الدنيا!
    فقال بتجهم وقد تذكر الثغور وطلبالشهادة:
    -وإذا رحلت أنا إلى مكان لا يوجد في الدنيا؟
    -سألحق بك0فقال بمايشابه الابتسامة:
    -هل ستقتلين نفسك؟
    -وهل ستقتل أنت نفسك؟
    -لا00لا يصح أنيقتل الإنسان نفسه،ولكن يبذل روحه في سبيل الله0
    -هل تعنيالجهاد؟
    -نعم0وقارنت بين هذه الغاية السامية وبين سيرة غياث بن عبد المغيثالعابثة ولهوه السابق فقالت على الفور:
    -ولكنك لست بصاحب هذه الأمور؟!
    -لقدأصبحت من أصحابها إن شاء الله0
    -هل تعني ما تقول؟
    -نعم00 أنا جاد فيما أقولوسأرحل قريباً0
    -هل تذهب لتموت؟!
    -بل لأبحث عن الشهادة0وسكتت قليلاً وقدتيقنت أنه جاد فيما اعتزم00 وأن ما مر به من أحداث غريبة في الأيام الماضية كانإرهاصاً لتوبته وقالت مشفقةً:
    -لماذا لا تؤجل سفرك إلى حين؟
    -ولماذاالتأخر؟!سأمضي وأحارب لعلي أعمل عملاً يرضي الله فيرضى عني0وتسرب الجزع إلىقلبها فسألت:
    -وإلى من ستتركني؟
    -أنت هنا عند أبيك00 وعند00وسكت مطرقاًإلى الأرض فسألت في هم:
    -وعند من أيضاً؟
    -عند سيدك الجديد0
    -هل بعتني إلىأحد يا مولاي؟
    -لم أبعك إلى أحد ولم أعد مولاكِ؟
    -إذاً ماذا فيالأمر؟!
    -أنا ياعطر00 كنت لصاً00وقداشتريتك بمالٍ مسروق00 وكل ما في الأمر أنيتبت إلى ربي وسأرجع المال المسروق إلى صحابه0
    -ومن هو صاحبه؟
    -معبد بنذاهب00وأسرته0
    -معبد المقدسي!هذا الأجير الذي يعمل عندك؟!
    -لم يعد أجيراًعندي00وكل ما ترين من الزروع والبساتين والأموال ملك له ولأسرته00وأنت من ذلك00وقدكان في قصة طويلة ستعرفينها فيما بعد0وأخرست المفاجأة لسانها0فقاليواسيها:
    -و أبشري فمعبد فتى شجاع 00وعاقل0وأضافمبتسماً:
    -وجميل!
    وأجهض أزيز بكائها ابتسامته وعاتبته من بين دموعها:
    -ألايعز عليك أن تتركني هكذا؟!!
    -بلى يعز علي00 ولكني آليت على نفسي ألا أضع في يديإلا مالاً حلالاً من كسب يدي0لماذا لا تشتريني منه؟
    -أنا لم أعد أملك غيرثيابي التي على ظهري00والتي في هذه الصرَّة!
    فالتفتت إليه وقالتبانفعال:
    -اسمع00سأسأل معبداً أن يهبني لك؟
    -لا أحب ذلك ولا أميلإليه0
    -إذاً سأشتري نفسي منه بدراهم منجمةً كل شهر أهبه ما أتحصلعليه00وسأذهب إلى بغداد عند زوجة سيدي الأول وسأعمل هناك00 فأنا أتقن الحياكةوالدبغ والغزل00 وإذا أصبحت حرةً نتزوج وأذهب معك إلى حيث تريد0
    -غير مجدٍ كلهذا 00 فأنا لن أستقر في مكان ولن آوي إلى بيت مريح00 سأعيش حيناً في خيمة وحيناًعلى الأرض أو في كهف00كما عشت ما مضى من حياتي شقياً00سكيراً 00عربيداً00وعققتوالدي00وقد رأيت بنفسك أطرافاً من حياتي الشائنة00وشهدت أيضاً توبتي وقد أبصرت فيالإيمان لذتي وهناءتي التي أبحث عنها00فأصبحت الدنيا مثل السجن لي00وأنا ألتزمالهروب من هذا السجن0
    -لكن كل هذا لا يستدعي أن نفترق!!فبإمكانك أن تعيش في بغدادصالحاً وتقضي أيامك هناك تائباً!؟
    -بإمكاني ذلك00 لكني كرهت بغداد وكرهتالدنيا00أنا أحس بصوت يناديني00يدعوني إلى الدار الآخرة وأنا أريد أن أغتسل منذنوبي بالجهاد حتى أموت وأنا مرتاح البال0وتساقطت دموعها وقد أعيتها الحيلوامتنعت عليها الكلمات فصرخت في وجهه:
    -بل أنت لا تريدني!
    وسكت محزوناً وقامتمن عنده على عجل00 وأطرق إلى الأرض00فيما دخلت إلى أحدى الغرف ناشجة ببكاءمر0وقف غياث على باب القصر وفي يده خرج الذهب وفي الأخرى صرة ثيابه00وتأمل البيتالكبير قليلاً00 ثم جعل يجول بين عرائش العنب00ومضى إلى أرض القمح والفواكه يتأملهاكأنه يراها و لأول مرة!ثم جال بينات النخيل00 وكان العبيد يعملون في الحقول00وقدضاعفوا جهدهم عندما رأوه00وسريع يتسكع ببطء ويشرف على كل شيء00 وأحد الخدم يجمعمخلفات الشجر وأغصان الصدر الصغيرة ويلقيها في محجر الأحراق المربع تمهيداًلحرقها0وانتهى بغياث المطاف في دار معبد في طرف البستان00ووجد الصبيان يلعبون قبالةالبيت00 وعندما رأوه كفوا عن اللعب وفر بعضهم00وخرج موسى شقيق معبد واستقل سيدالبستان محتفياً وأدخله إلى الدار وسأله بخجل:
    -هل أستدعي معبداًيا سيدي؟فقال غياث بكآبة:
    -نعم فأنا أبحث عنه0وخرج الفتى من الحجرة00وبقي غياث يفكر فيما سيقوله لورثة ذاهب المقدسي00وكيف يواجه حنظلة00 وهل يمضيلسبيله ويفسح المجال لمعبد وشقيقه وأسرته لينتقموا من قاتل أبيهم00أم يبقىويساعدهم!؟وهل سيتركونه بدورهم يمضي لسبيله أم سيعمدون إلى اعتقاله والانتقام منهلأنه ساهم في إشقائهم؟!
    ودخل معبد مرحباً بضيفه الكبير ولم يستطع إخفاء دهشتهوهو يقلب بصره في غياث مستغرباً هذه الأكياس التي يحملها وهذه الثياب البالية التيحلت بديلاً عن تلك الجبة الفاخر والثياب الثمينة!! وهذه الطاقية الخلقة التي صارتمكان تلك العمامة الخضراء المطعمة بخرزة كبيرة فوق الجبين!!وفطن غياث لدهشته فابتسموقال:
    -ربما استغربت زيارتي يا معبد!؟فقال الشاب مدارياً خجله:
    -لم أنتظرأن تكرمني بهذه الزيارة00ولو أرسلت إليَّ لأخذت أُهبتي00 فالبيت دائماً مبعثروهؤلاء الصبيان لا يتركون شيئاً في مكانه0
    -فقال غياث:
    -هذا العبث للأطفاللابد منه00 إنه صباهم0ودخل موسى بشيء من الفاكهة فلما وضعها هم بالانصراف لكنغياث استبقاه قائلاً:
    -اجلس ياموسى00حديثي لكم جميعاً0وجلس موسى وساد الصمتقليلاً00واحتار غياث كيف يبدأ00لكن معبد أسعفه حين قال:
    -لقد جاء الرجل الذيحدثتك عنه00والذي كان صاجباً لأبي00وسأل عنك فقلت له اذهب إلى القصر ظناً مني أنكهناك0
    -تقصد حنظلة؟
    -نعم00هل جرت بينك وبينه معرفة؟
    -أنا لم أره فيحياتي00 لكني أعرفه تمام المعرفة
    -كيف كان ذلك؟!
    -أريدك أن تريني إياه دون أنيراني0
    -حسناً سأفعل ياسيدي00 لكني سأعيد لك كلامي فيه00فأنا أحذرك منمصاحبته00ولولا أنه جاء يطلبك اليوم لطردته من البستان شر طردة!
    -بل أنا منيحذرك منه00 إن الذي قتل والدك هو حنظلة00وهذا الخرج بما فيه من الذهب الخالص،وهذهالزروع والبساتين والعبيد والأموال كلها لك ولأسرتك0والتفت الشابان إلى بعضهماوقد شلت الدهشة تفكيرهما00 وعقدت المفاجأة ألسنتهما عن الكلام00واعترت غياث رعشةًباردةً فأستند إلى الجدار متعباً ومضى في سرد قصته الثقيلة كاملة غيرمنقوصة


    الفصل الثالث عشر

    مضى سائر ذلك اليوم بطيئاً ثقيلاً على آل المقدسي مشبعاً بالوجوم والدموع00 وقضوا نهارهم وجزءاً من ليلهم في خليط منالغبطة بعودة أموالهم المنهوبة وحزن ثقيل لتجدد ذكرى عائلهم المغدور،وحقد شديد علىحنظلة وأصحابه الذين أجهزوا على والدهم وحاولوا سرقة ثروته0لكن الحيرة كانتمستولية عليهم تجاه غياث بن عبد المغيث، هذا الشاب الذي شارك في شقائهم طوال هذهالمدة،ثم نمت في قلبه الحياة،فرد الأموال المغتصبة في قناعة وورع!
    إنه لم يفرولم يطلب العفو خانعاً بل قال في شجاعة!إنه سيبيت الليلة في القصر، ثم يرحل من الغدإلى الثغور للجهاد في سبيل الله، وسيذهب إلى قريته الممرة ليلتقي بوالديه ويطلبرضاءهما إن وجدهما00فإذا كان آل المقدسي يريدون حبسه أو رفع أمره إلى الوالي فيبغداد فذلك لهم وسيمضي معهم قانعاً وطائعاً غير كاره!
    وتأملوا حاله وكلامه،فلميلبثوا حتى أدركوا أنه يستحق الشكر لا العقاب00لقد حافظ على الأموال التي نمَّاهابالتجارة00 وعندما تاب إلى ربه وتنزَّه عن الحرام أرجعها إليهم كاملة!وقد كانبإمكانه أن ينعم عليهم بالقليل إرضاءً لضميره00ولكنه آثر أن يخرج منها كلها00حتىإنه خلع جبته الفاخرة وعمامته وخاتمه00ولم يأخذ سوى ثيابه التي جاء بها إلىبغداد!
    أما غياث فلم ينم تلك الليلة في القصر، بل نام عند سريع عبده السابق فيلحاف رخيص00لقد أخبر سريع بكل شيء وأمره أن ينشر الخبر بين كل الموالي00ويؤكد لهمأنهم لم يعودوا ملك يمينه بل صاروا كلهم وما يرونه من الزرع والدواب والمال ملكاًلآل المقدسي0وآوى إلى فراشه تلك الليلة راضي النفس00منشرح الصدر00 يحس أنه لم تمرعليه في حياته الصاخبة ليلة أسعد من هذه الليلة!!وقبل أن يأخذه النوم00دخل عليه شخصيحمل مصباحاً فأضاءت الحجرة بنور المصباح00وتكلم الداخل في أدب:
    -هل تأذن ليبالدخول يا سيدي؟وعرف غياث صوت معبد فجلس في فراشه وقال باسماً:
    -ادخل00فلمأعد سيداً لك ولا لغيرك0
    -لقد ازدادت مكانتك عندي يا غياث بن عبد المغيث00جلسمعبد ودخل معه أخوه موسى ثم أعقبهم سريع00 ودخلت أم معبد متلفعة وجلست في ركن قصيمن الحجرة00وقال غياث مداعباً:
    -لقد كثر ضيوفك هذه الليلة يا سريع!
    فرد معبدبجد وصدق:
    -بل كلنا ضيوفك ياغياث00فأنت صاحب أفضال علينا!
    وقالت أم معبد بصوتخافت:
    -لقد أرجعت الحق إلى أهله 00وما جئنا إلا لنشكرك0فقال غياثباسماً:
    -لأول مرة00أرى لصاً يسرق قوماً فيشكرونه!!
    وقال موسى:
    -لقد كانبإمكانك يا سيدي أن تحتفظ بهذه الأموال بدون أن تخشى مطالبة أحد00لكنك انتزعتها مناللصوص وحفظتها لأهلها0
    -لو استطعت إبقاءها في حوزتي لفعلت00لكني عجزت عنذلك!!
    وتحدث معبد قائلاً:
    -لقد أتينا إليك هنا لنقول لك أننا قد وهبناك نصفالمال الذي في الخرج00فلولاك ما عاد من هذه الأموال درهم واحد!
    قالها ورفع السراجلتتبين له ملامح غياث متكدراً00وقالت أم معبد:
    -لقد وهبناك هذا بنفوسرضيًّة0فأجاب غياث بصوت عميق ووجه مبتئس:
    -لا أريد شيئاً0فقالمعبد:
    -إذا كان إرضاؤنا يهمك فخذ المال!
    -لا أريد شيئاً0فقالبتصميم:
    -إذا أبيت00فستأخذ الربع0
    -لا أريد شيئاً من هذا البتة!
    وهتفت أممعبد من ركنها:
    -إذاً فلتأخذ أرض القمح00وتكون جاراً لنا فلن نجد خيراًمنك0فلم يزد غياث على أن قال كلمته العنيدة!!
    وتحدث موسى مجرباًحظّه:
    -إذاً فخذ من المال ما يكفيك لإقامة تجارة وخُذ من العبيد ما شئت ليكونوالك0
    -هذه مكرمة منكم00لكنني لن آخذ شيئاً!
    فقال موسى بما يشبهالغضب:
    -لابد من ذلك00ولوكنت كارهاً!
    فرد غياث بحدة:
    -قلت أنني لا أريدشيئاً من المال00أريد أن أمضي إن لم تكن لكم حاجة بي0واحترموا إرادته فصمتواطويلاً00وخرجت أم معبد وتبعها ابنها موسى00وقال غياث لمعبد بدون أن ينظرإليه:
    -اجعلوني في حلٍ مما أكلت من أموالكم0
    -أنت في حل ياغياث00وسنظل نذكركما حيينا0
    -هذا معروف تسديه لي فما عدت أحمل هماً إلا أن أموت مخفاً سالماً مماللناس0
    -بقي لي حاجة عندك يا غياث أرجو أن تقضيها؟
    -ما هي؟أن تترك هذاالمكان الضيق وتذهب لتنام في فراشك الذي كنت تنام فيه بالقصر0
    -القصر!!لم يعد ليحقٌ في القصر!
    -أنا صاحب القصر00 وقد أذنت لك00
    -هذا الفراش أحبإليّ00
    -أريدك أن تجعل القصر منطلقك، وأنت تترك هذه الأماكن مثلما كان مؤملكعندما جئت إليها00فلا تحرمني فرصة إكرامك ولو بالمبيت0
    -لك ذلك00ولكن لا تطلبمني شيئاً غيره0وحمل غياث ثيابه،ومضى إلى القصر يتبعه معبد وسريع0وعندما دخلالقصر المضاء ببعض السرج00اتجه غياث إلى غرفته وودعه معبد وخرج لكنه توقف عندمااعترضته امرأة وجثت عند ركبته متوسلة:
    -أرجوك يامولاي00دعني أذهب معه00فقالمعبد بيأس:
    -لقد أبى أن يأخذ منا شيئاً يا عطر!
    -إنه عاجز عن المال فلو وهبتنيله لقبل منك0وقضم الشاب شفته السفلى وبدأ متردداً ولمحت عطر الكدر في وجههفعلمت أنه يريد بقاءها فلم تيأس وقالت:
    -إذا تركتني له فتلك شهامة منك00سأظلأشكرك عليها0
    -إذا رضي أن تذهبي معه فأنت له0
    -كلمه يا مولاي علَّه يستجيبلك0ورجع معبد إلى حجرة غياث وتبعته عطر وبقيت قريباً من الباب وابتدر معبدالقول:
    -ياسيدي00لقد جاءتني00وقاطعه غياث:
    -عطر00أليس كذلك؟
    -نعم00لقدرجتني أن أهبها لك وأنا موافق0
    -إنها فتاة كريمة ومهذبة0
    -ما كنت لأرغبعنها00لكنها اختارتك!
    -ولا أدري لماذا؟! لكني أتمنى أن تجد راحتهاعندك0
    -إذاً فأنت ترفضها؟
    -أنا لم تعد بي حاجة إلى شيء من متاع الدنيا فقدوجدت ما أسعدني واكتفيت به0
    -أنت تضيق على نفسك بهذا!
    -بل لَمْ تذق نفسيالسعة إلا اليوم00 فقد كنت مسجوناً ثم وجدت حريتي ولا رغبة بي في السجنثانية!
    -ستكسر قلبها بهذا الرفض!
    -قل لها أنني عازف عن الدنيا00وكل أمنيتيطعنة أو سهم يغفر الله به خطيئتي0
    -لقد ألحت عليَّ في الطلب؟!
    -لو كنت أنويالاستقرار لفكرت في شأنها00غير أني لا أشتهي سوى الرحيل0
    -ستحزن كثيراً00
    -بلستنسى عاجلاً فهي مازالت صغيرة0وسكت الرجلان000وتناهى إلى سمعهما صوت عطر وهيتدلف إلى داخل الدار مسرعة باكية فأحنى غياث رأسه في أسى وصمت بينما استأذن معبدوانصرف0في الصباح وبعد أن صلى الفجر جلس غياث وحيداً في مصلاه مستقبلاًالقبلة0وكان الضياء قد اكتسح الكون وتجلى الظلام وسمع غياث حركة خلفه عند البابفالتفت بهدوء ليشاهد رجلاً غريباً ضخماً بثياب فاخرة ولحية موفورة الشعر مشموطةبصباغ أزرق00وملامح قاسية00وكان بادي النعمة والترف00وقد قبعت تحت حاجبيه عينا ذئبتدوران في محجريهما بحثاً عن فريسة!
    وتحدث الرجل هازئاً بصوت غير منخفض:
    -لصمحتال00يدعي التقوى ويصلي!؟لفترة ظل غياث يتأمل الداخل بعين ثاقبة00 فلم يتوقعأن يدخل عليه حجرته رجل غريب،وبدون استئذان00إنه يراه لأول مره لكن بسماع صوتهالهازئ عرفه في الحال فهو نفس الصوت الذي كان يصدر الأوامر حين كان محاصراً برفقةمروان وسعيد في بيت الطين على شاطئ دجلة!ولم يشك لحظة أنه حنظلة00مدبر كل المآسيالسابقة00وقاتل ذاهب المقدسي00كان غياث يجلس في أقصى الغرفة الواسعة00 أماالرجل فكان يقف في الطرف الثاني قريباً من السرير الذي كان ينام عليه0 وتحرك غياثليقف فنهره الرجل بشدة قائلاً:
    -إذا تحركت قتلتك!
    ورفع جانب جبته الطويلةكاشفاً عن سيف عريض قصير00 مؤكداً لغياث عزمه على تنفيذ تهديده فيما لو حاول فعلشيء!وأول شيء فكر فيه غياث هو المسافة التي بين مكانه وبين سيفه السابق المعلقعلى الجدار قريباً منه00لقد اعتزم القتال00فهو لا يهاب أبداً،ولا يخشى الموت، و إنكان يتمنى أن يكون مماته في ساح الجهاد لا بيد مجرم مأفون، ومن أجل عرضٍ منالدنيا0وتحدث الرجل:
    -لا شك عندي بأنك غياث بن عبد المغيث00لقد كنت أتتبعكوقد علمت أنك تنام في هذا المكان00لقد تقاتلنا طويلاً يا غياث بدون أننتقابل!
    ولم يتكلم غياث فقال الرجل وهو يدير عينيه القاسيتين في الرياش الثمينوالجدران:
    -قصر جميل00وقد استمتعت بما فيه الكفاية00 وقد آن الأوان بأن ندفعالمال إلى صاحبه إذا كنت تريد حياتك00!؟فقال غياث بهدوء أزعج الرجل:
    -لقدأرجعت المال حقاً إلى أصحابه0
    -أنا صاحب المال00وأريدك أن تدلني على مكان الخرجالثاني من الذهب00فقد علمت من مروان أنك أسقطته في عرض النهر00 أما ما تحت يديك منالأرض والزرع فهو لك0
    -هذا المطلب ليس جديداً00فقد سألني منه سعيد قبلك فمات قبلأن يحصل عليه00وربما تموت أنت مثله أيضاً!
    استشاط الرجل غضباً وقال:
    -لقد كانسعيد وأخوه مروان أحمقين جبانين00 وقد عرفت محبس سعيد،فأنا لم أترك موضعاً في هذاالبستان إلا نبشته00وكنت أظن سعيداً كفؤاً للقتال والمواجهة فوضعت عنده أثناء نومهما يفك به قيوده رجاء قتلك،لكن تبين لي أنه ضعيف وخائر!أما أنا فخلافما تظن00كان يتكلم مرعداً مغروراً مما أغاظ غياث فقال متحدياً:
    -لن تفعل أكثرمما فعل00
    -إني أحذرك00 فأنت لم تعرفني بعد لذا تقول هذا الكلام00!؟فقالغياث بهدوء وشجاعة:
    -بل أعرفك00 فأنت حنظلة00 المجرم الغادر الذي قتلت صاحبكذاهب المقدسي ورجاله00وأفقرت أهله من بعده في فعلة لا تليق إلا بمثلك!!
    -أنت أحمقوعنيد!!لقد كنت أعقدُ الآمال على لقائنا هذا يا غياث بأن يأخذ كلٌ منا نصيبه ويمضيلشأنه،فإذا بك تعيرني بما كسبته أنا بيميني وسيفي00وأخذته بعد ذلك بغدرك وخيانتك منرجل جريح وعاجز وغبي!
    -لقد تبت إلى ربي ياحنظلة00وخرجت من هذا كله بثوبي الذيعلى ظهري، أما ما تبقى من الذهب في الخرج الثاني فقد استخرجته من قاع النهر بعدماهلك سعيد في سبيله وقد سلمته هو وكل الأرض والبساتين والتجارة إلى آل المقدسي ليلةالبارحة00 وأنا أدعوك أن تتوب إلى رشدك وتتوب إلى ربك قبل أن تغتالك المنية وأنتعلى ظلمك0
    -هل سلَّمت كل المال لهم!!؟
    -نعم00فما كنت لأدخل جوفي مالاً حراماًوقد هداني ربي و بصرني بجرمي!
    -ياوقح00الأموال لي00قلت أني كسبتها بسيفي00 وقدكان ذاهب يستحق ما جرى له،فقد فسد عليَّ الخليفة وزهَّده منَّي0
    -وما شأني أنابهذا كلَّه؟!
    -لقد أفسدت جهودي00وقتلت رجالي00وتسببت في سجني00ثم استوليت علىالمال كله00وتسأل عن شأنك بذلك!!
    -لقد رحم الله آل المقدسي فحفظ أموالهم بي00ثمرحمني بعد ذلك وطهر يدي من أموالهم0وبصبر نافذ سأل حنظلة غير مصدق مايسمع:
    -أين الأموال والخرج الذي استخرجته من النهر؟
    -ألا تعقل!؟قلت لك أنيسلمتها البارحة لأصحابها!!
    -إذا لم تكف عن عنادك فسأقتلك00وأقتلهم جميعاً00وأحرقهذا البستان على من فيه فلا أحد يقف في وجهي!
    ونهض حنظلة ملتاشاً بالحقد00وقفزغياث إلى سيفه و انتزعه من الجدار وسلَّه00فقال حنظلة في استعلاء:
    -لا تهلكنفسك00فأنا لا أهزم؟
    -سينصرني الله عليك0
    -اسمع00إني أهبك حياتك مقابل ماطلبت00؟
    -لقد أخذ أهل المال مالهم،وليس لك عندي غير هذا السيف!
    والتحمالخصمان في قتال طال التحفز له،فجاء عنيفاً شرساً!كان حنظلة شديد المهارة00ثقيلاً00قوياً00يفوق غياث في المبارزة00وكان غياث أخف حركة00وطالت معركتهما00وبدا لغياث أنخصمه لن يتعب أبداً،ولو قاتل لعام كامل!!و كانت قعقعة السيوف تمزق السكون في جنباتالقصر00فحضر الخدم00وتصايح النساء00وفزعت عطر لمرأى القتال00وجاء سريع لكنه لم يجرؤعلى التدخل00وانطلقت عطر راكضة عبر عرائش العنب،وأحواض النخيل حتى وصلت إلى بيت آلالمقدسي00 وطرقت الباب بعنف وخرج لها معبد مدهوشاً فصاحت به لاهثة:
    -أدركنايامولاي00رجل غريب يقتتل مع غياث بن عبد المغيث!
    فتمتم معبد:
    -إنه حنظلة ولاشك00وصاح بأخيه:
    -ياموسى00إنه قاتل أبيك!
    وركض الشابان بسيفيهما تجاهالقصر00تتبعهما عطر00ورآهما بعض العبيد فلحقوهما ومعهم عصي وصخور!
    و تفصد العرقغزيراً من جسد غياث وبدأ التعب يسري في أوصاله،وقبل أن يصل معبد ومن معه إلى الحجرةتمكن حنظلة من الإطاحة به،ولم يتردد في أن يطعنه في خاصرته بحقد!
    ووصل معبدوأخوه ومن خلفهم من الرجال00 واكتشف الشابان أنهما تأخرا في الوصول00 وقعت عينحنظلة على عيون أبناء ضحيته،ورأى نظرات الثأر في أعينهما فتكلم متصاعدالأنفاس:
    -لقد نال هذا مايستحقه00أما أنتما فابتعدا خيراً لكما00وزمجرمعبد:
    -الويل لي إن لم أقتلك!
    وهتف شقيقه محمر الوجه:
    -يا غدار 00أحدناسيخرج حياً!
    وتقدم الخدم بعصيهم وصخورهم وارتعب حنظلة فتراجع وهويهدد:
    -ارجعا 00وإلا ستلحقا بأبيكما!
    وهجم عليه موسى يتبعه معبد وجرح حنظلةموسى في لحظات جرحاً صغيراً، وبارز معبد قليلآ ثم آثر الفرار فلطمه لطمةً دفعتهبعيداً ثم انطلق هارباً00مخترقاً جداراً من العبيد الذين خافوا سيفه فاكتفوا بقذفرجليه ورأسه بالحجارة فولى وهو يعرج وينزف دماً0ونهض معبد متأخراً ولحق بهوتبعه الأخرون00تاركين غياث وقد انكفأت عطر تسقيه الماء وهي تذرف دموعاًبصمت0وفي هذه الأثناء كان الخادم الموكَّل بإحراق مخلفات البستان قد ملأ محجرالإحراق بالمخلفات والجريد اليابس،وذهب إلى غرف العبيد ومكث هناك قليلاً ثم رجعحاملاً معه جذوة مشتعلة00ومشى حثيثاً حتى لا تنطفئ بيده00ولم يكن يعلم بما يجري فيالبستان والقصر00وقذف بالشعلة الملتهبة إلى محجر الإحراق 00ووقف يستمتع باللهب الذياستطال سريعاً00مطقطقاً إلى عنان السماء00لكنه تراجع فزعاً عندما دوَّت صرخاتبشعة00متتالية من جوف النار العظيمة!!وتحركت أجزاء من الجريد المشتعل،ووصل معبدورفاقه إلى صوت الصراخ00لكن الصرخات استحالت إلى فحيح متحشرج، ثم خفت شيئاًفشيئاً،ولم يعد يسمع سوى صوت اللهب وهو يلتهم الجريد والأغصان الصغيرة ومنبداخلها!!
    وجثا الخادم المفزوع على ركبتيه رعباً وهو يقول:
    -لقد رأيت جسماًملتهباً يتخبط وسط الأكوام المشتعلة وسمعت زعيقاً منكراً!!
    وأحنى معبد رأسه وقالموسى:
    -لقد كان حنظلة يختبئ في محجر الإحراق!!لقد نال جزاءه!!
    وخمدت النارسريعاً وبكى الخادم وأحاط به زملاؤه فقال وهو يرتعش فزعاً مما سمع وشاهد:
    -لمأكن أعلم أن أحداً كان يختبئ داخل المحجر!!؟وتقدموا من جدار محجر الإحراق00 لكنلم يكن هناك سوى جمر مشتعل وبقايا جسدمتفحم !!


    الفصل الرابع عشر (و الأخير)




    أمر معبد بإخراج جثة حنظلة وتغطيتها لحيندفنها00ورجع هو وأخوه إلى حيث تركوا غياث ووجدوه قد أخرج من القصر إلى الدكة التيقبالته وقد فرش له وأسند00كان يضع يده على خاصرته00 وكانت ثيابه الرخيصة وأكمامهمصبوغة بحمرة زاهية0جلس معبد عند رأسه00 ووقف الآخرون قريباً منه00وقالت عطر فيصوت مبحوح:

    -لقد بقر الرجل بطنه00لكنه مازل حياً0وأحضر بعض الخدم لفافةوإناء،فأخذها معبد ورفع يده برفق وجعل يمسح خاصرته بالماء وينظف موضع الجرح00كانالشق واسعاً غائراً00مخيباً للآمال!
    فقام بتضميده وربطه ثم سأل عطر:
    -هل طلبشيئاً؟فقالت:
    -لا0وانحنى معبد عليه بشفقة وقبلَّه وهو يظن أنه نائم00لكنغياث حرك شفتيه الجافتين وقال بخفوت:
    -إنك كريم00إذ تقبل لصاً سرق مالك واستمتعبه!
    وهمس معبد له:
    -لاتتحرك00ولا تتكلم فتزداد آلامك!
    -إن الألم لايهمني00فلم أعد أحفل بالحياة0
    -لا تقل مثل هذا00!
    -أظنني سأرحل00وحسبي أن أموتوقد تبت وطهرت يدي من الحرام0ستعيش بإذن الله0
    -لا تأمل كثيراً00فأنا أحسبأني سأجد راحتي بعد قليل00فاجعلني في حل00
    -أنت في حل0
    -حسناً00أريدك أن تذهبإلى قريتي الممرة وتبحث عن والدي وتطلب لي الصفح منهما وتخبرهما قصتي0
    -سأفعل00وماذا أيضاً؟
    -لا شيء0وصمت معبد ولم يتكلم أحدٌ لفترة وقطع الصمت غياث وهويستقيم من رقدته ويقول في عزم:
    -هات ثيابي وأحضر لي فرساً00سأستعيرها منك ثمأردها لك إذا وصلت0فسأل معبد مستغرباً:
    -وأين ستذهب؟!!
    -سأذهب إلىالثغور00
    -وأنت في هذه الحالة؟!!
    -نعم00 ستربطني إلى الخيل بحبل ولن أسرع00وسأصل بإذن الله0
    -هل جننت؟!لن أفعل ذلك أبداً!!
    -بل ستفعل00وإلا ذهبت علىقدمي!
    وتحرك مؤكداً عزمه على الرحيل مما اضطر معبداً إلى تهدئته و أرسل في طلبفرسه السابقة00ولما رآها غياث تناول صرة ثيابه وقال:
    -هيا احملونيعليها0فقال معبد محاولاً ثنيه:
    -انتظر حتى تشفى ثم00 اذهب00فقال غياثبيأس:
    -يكفيني أنني شفيت من الحياة!
    وصمت قليلاً ثم قال وقد تدحرجت على خدهدمعة كبيرة0
    -أحب أن يراني الله وأنا أسعى مقبلاً عليه لعلًّه أن يرحمني ويمحوعني مافعلت0
    -إذاً سأرحل معك حتى تصل؟
    -لا00لتبقى للعناية بأرضك وأسرتك00أماأنا فقد عشت غريباً،وأريد أن أرحل غريباً00وأموت غريباً00لعل الله أن يرحمغربتي!

    وأراد الوقوف فعجز فتقدم منه سريع ومعبد وحملوه إلى الفرس نزولاً عندإرادته فانكفأ على ظهرها00وربطوه بحبل إليها00وأمر معبد أحد عبيده أن يقود الفرسإلى ظاهر البستان00وتهادت الفرس ببطء إشفاقاً على صاحبها السابق 00لكن لم تمضِ غيرمسافة قليلة حتى ارتخت يداه ومالت عنقه ثم سقط إلى الأرض0أرادت عطر أن تقولشيئاً فخنقتها العبرة00وتهالك سريع على الأرض حزناً على سيده00وسارع معبد وشقيقهوالآخرون إليه00كان وجهه مضاءً كالمصباح وعلى ثغرهابتسامة!

    تمت

      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس ديسمبر 14, 2017 6:11 pm